جلال الدين السيوطي
129
التحبير في علم التفسير
القرائن والأحوال عند نزوله ، ولما اختصّوا به من الفهم التّامّ والعلم الصّحيح والعمل الصّالح ، فإن لم يجد عن أحد من الصّحابة رجع إلى أقوال التّابعين ، وربّما وقع في عباراتهم تباين في الألفاظ فحسبها بعض من لا فطنة له اختلافا فيحكيها أقوالا وليس كذلك ، فإنّ منهم من يعبّر عن الشّيء بلازمه أو بنظيره ، ومنهم من ينصّ على الشيء بعينه ، والكلّ بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطّن اللّبيب لذلك . وأمّا قول سعيد بن الحجّاج : أقوال التّابعين في الفروع غير حجّة فكيف تكون حجّة في التّفسير ؟ فمعناه أنها لا تكون حجّة على غيرهم ممّن خالفهم وهو صحيح . أمّا إذا أجمعوا على الشّيء فلا يرتاب في كونه حجّة ، فإن اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجّة على بعض ولا على من بعدهم ، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السّنّة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصّحابة . وعليه أن يستحضر الحديث الّذي رواه ابن جرير عن ابن عبّاس مرفوعا قال : « التّفسير أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلّا اللّه » . ثمّ رواه مرفوعا بسند ضعيف بلفظ : « أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تفسّره العرب ، وتفسير تفسّره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلّا اللّه ، ومن ادّعى علمه سوى اللّه فهو كاذب » . وعليه أن يكثر من الأقوال المحملة البعيدة والتّفاسير الغريبة ، وألا يتكلّف في حمل الآية على مذهبه إذا كان ظاهرها يخالفه ، ففي الحديث ( مراقي القرآن كفر ) وأن يرجّح من الأقوال ما وافق قراءة أخرى كقوله تعالى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [ ( 5 ) المائدة : 6 ] فتفسير الملامسة بالمسّ باليد أولى من الجماع لموافقته للقراءة الأخرى : ( أو لمستم ) ويحرم تحريما غليظا أن يفسّر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللّفظ كما فعل ابن عربيّ المبتدع الّذي ينسب إليه كتاب « الفصوص » الّذي هو كفر كلّه . وكما يحكى عن بعض الملحدة أنّه قال في قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ [ ( 2 ) البقرة : 255 ] إنّ معناه : من ذلّ - أي من الذّلّ - « ذي » إشارة للنّفس - « يشف » جواب « من » من الشّفا - « ع » فعل أمر من الوعي . ويحرم أن يخرّج القرآن على القواعد المنطقيّة ، وقد اتّفق أهل عصرنا ممّن يبيح المنطق منهم ومن يحرّمه على التّغليظ على بعض العجم ، وقد خرّج بعض آيات القرآن عليه وأفتوا بتعزيره وزجره وأنّه أتى بابا من العظائم ، وإذا أعرب آية أعربها على أظهر